mardi 10 mai 2016

في إحدى جزائر الوقواق سألوني: من أعظم شخص في حياتك؟


من أصعب الأسئلة التي قد تطرح علي هو سؤال هذه التدوينة: من هو أكثر شخص أثر في حياتك؟ أو من  أو بالمطلق من هو أعظم شخص في حياتك؟
قبل الجواب عن هذا السؤال، وقبل الكشف عن هذا الشخص الذي لا مثيل له بين الخلائق، والذي استطاع جمع كل صفات الجلال والكمال. سأحكي لكم قصة من نسج الخيال (نعم لقد صرت قصّاصا قبل دقائق فقط).
ذكر سلفنا الصالح - رضي الله عنهم -  أن جزيرة من جزائر الهند التي تحت خط الاستواء، حيث يتولد الانسان من غير أب ولا أم. ترعرع بطلنا "حي" (نعم، كما في قصة ابن طفيل اسمه كذلك "حي") وحيدا في سهول الجزيرة الشاسعة ووديانها الخصبة. يأكل من خيراتها المتنوعة، ويشرب ماءها العذب الزلال، يفترش أرضها ويلتحف سماءها.
لم تكن هنالك ظبية تعلمه أساسيات الحياة، ولا كان هنالك غُراب يعلمه كيف يواري الجثة الميتة، لا لم يعش بين الذئاب كما وقع لماوكلي، ولا ربته الغوريلا كما حصل لطرزان. لم يكن في الجزيرة أي كائن يتحرك، الكل جامد. وظل الحال هكذا لما يقارب العشرين سنة.
وفي أحد الأيام ظهر زورق في الأفق، وبدأ يقترب رويدا رويدا حتى رسى على شاطئ الجزيرة، ثم نزل منه رجل في عقده الخامس. ظل حيّ مشدوها لغرابة هذا المنظر، إذ لم يسبق له أن رأى كائنا متحركا قبل هذا، ولكن بعد أخد ورد تمكن من استجماع قواه ونزل لاكتشاف هذا الوافد الجديد.
المهم وكما في جميع القصص، تمكن حي من التعرف على "سالم" واتخذه معلما يرافقه حيثما حل وارتحل، ومرت الشهور سريعا وعند حلول الحول، ظهر زورق ثان في الأفق لكن هذه المرة كان أكبر من سابقه. انتظره حي والشوق يغالبه، وعند بلوغه الشاطئ استقبله وكله أمل أن يتعلم من القادم مثل ما تعلم من معلمه سالم. لم ينزل راكب واحد من القارب، لكن عوض ذلك نزل عشرة. احتار حي عندما رأى هذا العدد الضخم، وما زاد حيرته أكثر هو عندما رأى اختلاف ألوانهم وأجناسهم وصفاتهم: فهذا أبيض والآخر أسمر وثالثة شقراء ورابع أصفر. بمرور الأيام تبين له أن الاختلاف لا يهم الشكل فقط، لكن لكل منهم طباعه وخصاله: فمنهم الطيب الودود ومنهم الحاقد الحسود، ومنهم الشجاع المقدام وكذلك الرعديد الجبان. في الحقيقة، استفاد منهم جميعا ( من الحسود والجبان؟ نعم حتى من الحسود والجبان) وفي نفس الوقت، قلت مرافقته لمعلمه الأول سالم، إذ لم يعد لديه ما يثير انتباهه.
بعد سنوات قليلة، رست على شاطئ الجزيرة سفينة ضخمة نزل منها عدد كبير من البشر مختلفون عن العشرة، ومختلفون كذلك عن سالم. وكما لاحظ حي اختلاف العشرة، ظهر له اختلاف الآخرين واضحا، لكنه تعامل مع كل واحد منهم حسب اختلافه وتميزه.
ذات يوم، وبينما حي يحاور أحد القادمين الجدد، إذ طرح عليه سؤال مباغت:  من هو أكثر شخص أثر في حياتك؟ احتار حي وسأل نفسه أهو سالم المعلم الذي رافقته بداية وتعلمت منه أساسيات الحياة، أم أنهم العشرة الآخرون: ربما الطيب الودود هو ذلك الشخص. لا،  ربما الحسود الذي علمني أن الناس أصناف وأن الطيب ماهو إلا صنف واحد. لعله المقدام الذي بث فيّ روح الشجاعة والثبات. ربما ليس من هؤلاء العشرة أصلا، فالآخرون كثر ولعل أحدهم هو ذلك الشخص، لكنه لم يتمكن من التعرف عليه إذ أن كل واحد منهم ترك في نفسه أثرا يتذكره به دوما.
بعد لحظات من التأمل والبحث أجاب حي: كلهم ولا أحد.
انتهت القُصَيْصة.

أنا كذلك أقول كلهم ولا أحد، أبِي أثّر فيّ، أمي كذلك، إخوتي، معلمي الأول، المدرسة، الشارع، الجمعية، الكلية، ذلك الكاتب الذي قرأت له ذات مساء... الكل أثّر فيّ لكن لا يوجد أي واحد بالضبط. (الحمد لله على هذه النعمة، وإلا لحصلنا على نسخ متعددة من شخصية واحدة.)

كلهم ولا أحد

4 commentaires :